عبد الرحمن بدوي
15
أرسطو عند العرب
معشوق فإنه يحرّك على هذه الجهة . وكل معقول إذا عقلناه يحركنا لبعض الأفعال . إلا أن الأشياء المعشوقة والأشياء المعقولة كثيرة فينا وفي سائر الحيوان . فليس يوجد المعشوق والمعقول فينا متحدين « 1 » معا . فإن المعشوق فينا يحرك العاشق من غير أن يتحرك . وليست طبيعته من طبيعة الأشياء المعقولة . فأما في المبادي الأولى فالمعشوق والمعقول معا شئ واحد . لأنه معقول هو معشوق لا بخلاف ذلك ، أعنى لأنه معشوق هو معقول . وقد نجد ذلك بعينه في الأشياء المعشوقة القريبة منا التي نراها ، وهي التي نتشوق إليها أو نختارها كاللذيذة ، والتي هي بالحقيقة حسنة . وفي العشق الأول وفي أول المعشوقين ليس ما نرى بمخالف لما هو عليه بالحقيقة . لكن ما بدا منه هو ما عليه ، وما يعقل منه هو ماله . والذي يعقل من أمره أنه خير . فهو إذن على الحقيقة الخير . وابتداء هذا العشق إنما هو ما يعقل من العلة الأولى ، كما أن ابتداء الشهوة فينا الظنّ والتخيل . وكل عقل فحركته من [ 208 ا ] الشئ المعقول ، كما أن الظن حركته من المظنون ، والتخيل و « 2 » المتخيل . وأول المعقولات كلها الجوهر . ومن الجوهر ، البسيط منه الذي هو بالفعل الذي هو واحد ، إذ ليس فيه تركيب مما بالفعل ومما بالقوة . والواحد بالحقيقة هو هذا ؛ وسائر الأشياء « 3 » : فإن الموجود شئ ، والواحد شئ آخر . فنقول : إنسان واحد وفرس واحدة . وأما هذه الطبيعة فالموجود منها والواحد شئ واحد بعينه . ولذلك نقول فيها إنها بسيطة ، لأنها لا يتركب منها شئ لأنه ليس منها شئ من التركيب . وليست هذه الطبيعة بمنزلة المحرك الأول للأشياء فقط ، بل وبمنزلة الكمال والشئ الذي من أجله . فإن الذي يختار بسبب ذاته ، والذي حسنه بذاته ، والذي له الفضيلة في الغاية القصوى بذاته إنما هو مبدأ وكمال بذاته ؛ وهو عقل وحق أول في الغاية . وكل فعل يكون عن العقل فهو علم . وقد نقول في فعل العقل إنه جوهر ، فيجب أن يكون جوهر العلة الأولى علم . وعنها يكون ترتيب الأشياء الموجودة ونظامها ، وهي التي نتشوق إليها . وما بعدها فبعض يقرب منه وبعض يبعد ، كما يوجد في سياسة المدن . فإن بعض أهل المدينة يقرب من الكمال وبعض ينفضّ عنه . فليس بعجب إن كانت علة أولى أن تكون جوهرا وفعلا . وتعقلها ذاتها : تتشوق إليها
--> ( 1 ) ن : يتحدان ، والمعنى يستقيم عليه أيضا . ( 2 ) لعل الصواب : « من » . ( 3 ) أي : أما بالنسبة إلى سائر الأشياء فإن الموجود . . .